الغزالي

157

إحياء علوم الدين

وغير ذلك من الخصال ، ثم لا يعقل عشق من ترى الخيرات منه ، بل على التحقيق من لا خير ولا جمال ولا محبوب في العالم إلا وهو حسنة من حسناته ، وأثر من آثار كرمه وغرفة من بحز جوده ، بل كل حسن وجمال في العالم أدرك بالعقول والأبصار والأسماع وسائر الحواس من مبتدإ العالم إلى منقرضة ، ومن ذروة الثريا إلى منتهى الثرى ، فهو ذرة من خزائن قدرته ، ولمعة من أنوار حضرته فليت شعري كيف لا يعقل حب من هذا وصفه ، وكيف لا يتأكد عند العارفين بأوصافه حبه ، حتى يجاوز حدا يكون إطلاق اسم العشق عليه ظلما في حقه ، لقصوره عن الأنباء عن فرط محبته ، فسبحان من احتجب عن الظهور بشدة ظهوره ، واستتر عن الأبصار بإشراق نوره ، ولولا احتجابه بسبعين حجابا من نوره لأحرقت سبحات وجهه أبصار الملاحظين لجمال حضرته ولولا أن ظهوره سبب خفائه لبهتت العقول ، ودهشت القلوب وتخاذلت القوى ، وتنافرت الأعضاء ، ولو ركبت القلوب من الحجارة والحديد لأصبحت تحت مبادى أنوار تجليه دكا دكا ، فأنى تطيق كنه نور الشمس أبصار الخفافيش ، وسيأتي تحقيق هذه الإشارة في كتاب المحبة ، ويتضح أن محبة غير الله تعالى قصور وجهل ، بل المتحقق بالمعرفة لا يعرف غير الله تعالى ، إذ ليس في الوجود تحقيقا إلا الله وأفعاله ، ومن عرف الأفعال من حيث إنها أفعال لم يجاوز معرفة الفاعل إلى غيره ، فمن عرف الشافعي مثلا رحمه الله وعلمه وتصنيفه من حيث إنه تصنيفه ، لا من حيث إنه بياض وجلد وحبر وورق وكلام منظوم ولغة عربية ، فلقد عرفه ولم يجاوز معرفة الشافعي إلى غيره ، ولا جاوزت محبته إلى غيره ، فكل موجود سوى الله تعالى فهو تصنيف الله تعالى وفعله ، وبديع أفعاله فمن عرفها من حيث هي صنع الله تعالى فرأى من الصنع صفات الصانع كما يرى من حسن التصنيف فضل المصنف ، وجلالة قدره ، كانت معرفته ومحبته مقصورة على الله تعالى ، غير مجاوزة إلى سواه ، ومن حد هذا العشق أنه لا يقبل الشركة ، وكل ما سوى هذا العشق فهو قابل للشركة ، إذ كل محبوب سواه يتصور له نظير ، إما في الوجود ، وإما في الإمكان ، فأما هذا الجمال فلا يتصور له ثان ، لا في الإمكان ولا في الوجود ، فكان اسم العشق على حب غيره